الشيخ محمد رشيد رضا
169
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيها ، وانما المحظور عليهم هو ما يضرهم ، ولكن الناس لا يقفون عند حدود الفطرة ، واتقاء المضرة وجلب المنفعة ، بل دأبهم الجناية على فطرتهم ، والتصدي أحيانا لفعل ما يضرهم وترك ما ينفعهم ، ومن ذلك ان العرب استباحت أكل الميتة والدم المسفوح من الخبائث الضارة ، وحرمت على أنفسها بعض الطيبات من الانعام بأوهام باطلة ، كالبحيرة والسائبة وغير ذلك كما سيأتي بيانه في أواخر هذه السورة وفي سورة الأنعام ، ولأجل هذا كانت الحاجة قاضية ببيان ما يحله اللّه تعالى مما حرموه ، بعد بيان ما حرمه مما احلوه ، وذلك قوله تعالى : * * * يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ الخ أي يسألك المؤمنون أيها الرسول : ماذا أحل لهم من الطعام أو اللحوم خاصة ؟ والسؤال يتضمن معنى القول فهو حكاية لقولهم ، وانما قال « لَهُمْ » لا « لنا » مراعاة لضمير الغائب في « يَسْئَلُونَكَ » ويجوز في مثله مراعاة اللفظ كما هنا ومراعاة المعنى ، يقولون : أقسم زيد ليفعلن كذا ، ولأفعلن كذا . وقد ذكر أهل التفسير المأثور عدة روايات في هذا السؤال منها حديث أبي رافع عند الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وملخصه ان النبي ( ص ) لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة جاء الناس فقالوا يا رسول اللّه ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل اللّه الآية فقرأها ، وذكر مسألة صيد الكلاب وأكل ما أمسكن منه كأنه تفسير لها . وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ان عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول اللّه ( ص ) فقالا يا رسول اللّه قد حرم اللّه الميتة فما ذا يحل لنا ؟ فنزلت . واخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر ان عدي بن حاتم الطائي أتى رسول اللّه ( ص ) فسأله عن صيد الكلاب فلم يدر ما يقول حتى انزل اللّه هذه الآية في المائدة « تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » فإذا صحت هذه الروايات بلفظها فهي دليل على أن المائدة لم تنزل دفعة واحدة كما هو ظاهر روايات أخرى ، والا فهي مروية بالمعنى وهو المختار عندنا قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ الطيب ضد الخبيث والمقابلة بينهما في القرآن كثيرة كقوله تعالى « قُلْ لا يَسْتَوِي « تفسير القرآن » « 22 » « الجزء السادس »